ماتريوشكاهيدلاينز

أسرار “الكومونالكا”.. نمط سكني غيّر حياة الروس

إعداد – روسيانا

تخيّل أن تبدأ يومك في منزل لا تملك فيه المطبخ وحدك، وأن تنتظر دورك لاستخدام الحمام، وأن تتشارك الممر والثلاجة وأحياناً تفاصيل حياتك اليومية مع أشخاص لا تربطك بهم أي صلة قرابة.

هذا ليس مشهداً من رواية خيالية، بل واقع عاشه كثير من السكان في روسيا داخل ما يُعرف بالشقق الجماعية، وهي تجربة اجتماعية تركت بصمتها في ذاكرة المدن الروسية، ولا تزال بعض شواهدها قائمة حتى اليوم.

لم تكن هذه الشقق مجرد حل للسكن، بل تحولت إلى عالم صغير تتقاطع فيه العادات والشخصيات والخلافات، وتتشكل فيه قواعد غير مكتوبة لتنظيم الحياة بين عائلات تتشارك مساحة واحدة، بينما يحاول كل منها الحفاظ على خصوصيته.

كيف ظهرت الشقق الجماعية في روسيا؟
ارتبط انتشار الشقق الجماعية، المعروفة بالروسية باسم «كومونالكا»، بالتغيرات الاجتماعية والعمرانية التي شهدتها روسيا خلال القرن العشرين، ولا سيما بعد الثورة البلشفية، عندما أُعيد توزيع عدد من الشقق الواسعة لتستوعب أكثر من أسرة.

بدلاً من أن تشغل عائلة واحدة شقة كبيرة تضم غرفاً متعددة، أصبحت الغرف تُخصص لأسر مختلفة، فيما بقيت المرافق الأساسية مشتركة. وهكذا تحولت شقق كانت تضم في السابق عائلة واحدة إلى مساكن تتقاسمها عدة عائلات، لكل منها غرفتها الخاصة، بينما يجمعها مطبخ واحد وحمام وممر مشترك.

وازداد انتشار هذا النمط السكني في المدن الكبرى، ومنها موسكو وسانت بطرسبورغ، في ظل الحاجة إلى توفير مساكن لعدد متزايد من السكان مع توسع المدن وتغير أنماط الحياة.

مطبخ واحد.. وعائلات لكل منها عاداتها
كان المطبخ المشترك أكثر الأماكن حساسية في هذه الشقق. فلكل أسرة مواعيدها وعاداتها في إعداد الطعام، ولكل شخص طريقته في ترتيب أغراضه وحفظ مؤونته. وقد تتحول مسألة بسيطة، كاستخدام موقد الطهي أو ترك الأطباق في الحوض، إلى خلاف بين الجيران.

ولتنظيم الحياة اليومية، كان السكان يلجؤون إلى حلول عملية، مثل تخصيص رفوف منفصلة في الثلاجة، وتقسيم أماكن حفظ الطعام، والتفاهم على تنظيف المرافق المشتركة. وفي كثير من الحالات، لم يكن نجاح الحياة داخل الشقة يعتمد على مساحة الغرف بقدر ما يعتمد على قدرة السكان على التفاهم واحترام الحدود المتبادلة.

لكن التجربة لم تكن واحدة لدى الجميع؛ فبعض السكان بنوا علاقات ودية وتعاونوا في شؤونهم اليومية، بينما عاش آخرون في أجواء من التوتر بسبب اختلاف الطباع وضيق المساحة.

الخصوصية.. حدود ترسمها الأبواب
داخل الشقة الجماعية، كانت الغرفة الخاصة تمثل المساحة الأساسية التي تستطيع الأسرة الانفراد فيها بنفسها، أما بقية أجزاء المنزل فكانت مشتركة بحكم الواقع.

هذا الترتيب جعل تفاصيل الحياة اليومية أكثر انكشافاً مما هي عليه في السكن المستقل. فقد يسمع الجيران أصوات بعضهم، ويلتقون باستمرار في الممرات، ويتعرفون إلى مواعيد الخروج والعودة، وربما يعرفون جانباً من المشكلات العائلية التي يفضل أصحابها إبقاءها بعيداً عن الآخرين.

وفي المقابل، فرضت هذه الظروف نوعاً من الأعراف الاجتماعية غير المكتوبة: عدم الدخول إلى غرفة الآخرين دون إذن، واحترام الأغراض الشخصية، وتجنب إحداث الضوضاء، والتوصل إلى تفاهمات بشأن استخدام المرافق المشتركة.

وهكذا أصبحت الخصوصية في الشقق الجماعية مسألة تفاوض يومي، لا مجرد باب يُغلق بالمفتاح.

بين الخلاف والتضامن.. مجتمع صغير داخل مبنى واحد
لم تقتصر حكاية الشقق الجماعية على المشكلات والخلافات. فقد أتاحت الحياة المشتركة فرصاً للتعارف وتبادل المساعدة، من رعاية الأطفال عند الحاجة إلى مساعدة الجيران في الأعمال اليومية أو مشاركة الطعام في بعض المناسبات.

وفي أحيان أخرى، كان اختلاف الأعمار والخلفيات والعادات سبباً في احتكاكات متكررة. فقد يختلف السكان حول النظافة أو الضوضاء أو ترتيب المطبخ، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى نزاعات يصعب تجنبها عندما يلتقي الأشخاص أنفسهم في المساحات الضيقة كل يوم.

لهذا يمكن النظر إلى الشقة الجماعية بوصفها صورة مصغرة للمجتمع: فيها التعاون والود، كما فيها التنافس وسوء الفهم، وتبقى العلاقة بين السكان مرتبطة بظروفهم الشخصية وطريقة تعاملهم مع بعضهم.

هل اختفت الشقق الجماعية من روسيا؟
مع مرور الوقت، اتجه كثير من السكان إلى السكن المستقل، وساعدت عمليات الخصخصة وتغير سوق العقارات على انتقال بعض الشقق الجماعية إلى ملكية منفصلة أو إعادة تنظيمها. لكن هذا التحول لم يحدث بالطريقة نفسها في جميع المدن والمباني.

ولا تزال شقق جماعية موجودة في بعض المناطق الروسية، وخصوصاً في سانت بطرسبورغ، التي ارتبط اسمها تاريخياً بهذا النمط السكني. وقد تختلف أوضاعها من شقة إلى أخرى، سواء من حيث عدد السكان أو حالة المبنى أو ترتيبات الملكية والاستخدام.

وتمنح هذه الشقق الزائر فرصة لفهم جانب من التاريخ الاجتماعي الروسي، بعيداً عن القصور والمتاحف والمعالم الشهيرة؛ فهي تكشف كيف أثرت التحولات السياسية والاقتصادية في تفاصيل الحياة المنزلية، وفي مفهوم الخصوصية والعلاقة مع الجيران.

من تجربة سكنية إلى ذاكرة اجتماعية
لم تكن الشقق الجماعية مجرد غرف متجاورة داخل منزل واحد، بل تجربة يومية أعادت تشكيل العلاقة بين الفرد والجماعة. فقد تعلم سكانها، بدرجات متفاوتة، التعايش مع أشخاص لم يختاروهم جيراناً، وتقاسم المرافق، والتفاوض حول أبسط تفاصيل الحياة.

واليوم، تظل هذه الشقق شاهداً على مرحلة من تاريخ روسيا، وتذكيراً بأن التحولات الكبرى لا تظهر آثارها في السياسة والاقتصاد وحدهما، بل تصل أيضاً إلى المطبخ والممر وباب المنزل، حيث تتشكل العلاقات الإنسانية يوماً بعد يوم.

تعليقات

أضف تعليق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى